الخطبة الأولى:
الحمد لله ؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ؛ من يهده اللهُ فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ؛ بلَّغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، فما ترك خيرًا إلا دل الأمة عليه ، ولا شرا إلا حذرها منه ؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
أمَّا بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله تعالى ، وراقبوه سبحانه مراقبة من يعلمُ أن ربَّه يسمعُه ويراه ، واعلموا -رعاكم الله- أن تقوى الله جل وعلا هي خير زادٍ يبلِّغ إلى رضوان الله ، {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة:197] .
معاشر المؤمنين: التعاون أمرٌ خطيرٌ للغاية من حيث تأثيره في تحقيق المصالح والأهداف والغايات والمبتغيات أيَّا كانت ؛ خيرًا أو شرا ، نفعًا أو ضرا ، سنةً أو بدعة ، هدايةً أو ضلالا ، كفرًا أو إيمانا .
ولهذا -عباد الله- وجب على العبد المؤمن أن يكون على فقهٍ عظيم ودرايةٍ متينة في هذا الباب «باب التعاون» حتى يرى أين يضع قدمه وأين يسير ؛ فإن هذا الباب «باب التعاون» بابٌ إما أن يكون فيه العبد مفتاحا للخير معوانًا على الصلاح ، أو يكون على الضد من ذلك ، عياذًا بالله من ذلك ، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال : ((إِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ ؛ فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ مَفَاتِيحُ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ)) .
أيها المؤمنون : في القرآن آية عظيمة فاذَّة جامعة في هذا الباب «باب التعاون» رسمت للمسلم منهجًا قويما وحددت له مسلكًا رصينا ؛ في ضوئه يكون سيره في هذا الباب على سداد ، وطريقه فيه على صواب ؛ إنها -عباد الله- قول الله جل وعلا في خاتمة آيةٍ من كتابه {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة:2].
أيها المؤمنون: في هذه الآية الكريمة بيان أن التعاون على نوعين :
- تعاون على بر وتقوى .
- أو تعاون على إثم وعدوان .
أما النوع الأول ؛ فإن الله جل وعلا أمر عباده به وحثهم عليه ورغَّبهم فيه وأمرهم أن يكونوا من أهله {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} ؛ و«البر» -عباد الله- كلمة تجمع فعل الخيرات وصنوف الطاعات وأنواع العبادات والقربات .
و«التقوى» تجمع الانكفاف عن المعاصي والذنوب والبُعد عن الخطايا والآثام ، فإذا اجتمع البر والتقوى كما في هذه الآية الكريمة فإن البر: فعل المأمور ، والتقوى: ترك المحظور .
وعليه -عباد الله- فإن التعاون المأمور به الذي أمر الله به العباد ودعاهم إليه أن يتعاونوا على كل ما كان من البر والتقوى ؛ يتعاونوا على الطاعات والعبادات وأنواع القربات ، يتعاونوا على الانكفاف عن المعاصي والآثام وكلِّ ما يسخط الله جل في علاه ، ويأتي في مقدمة ما يكون التعاون عليه التعاون على صحة المعتقد وسلامة الإيمان ؛ فإن هذا أعظم البر بل هو أساسه ، ثم التعاون على فعل الفرائض وواجبات الدين ، ثم التعاون على الانكفاف عن المعاصي والآثام ، ثم التعاون على فعل الرغائب والمستحبات .
أيها المؤمنون: وأما النوع الثاني من التعاون فهو نوعٌ نهى الله عباده عنه وحذرهم منه ودعاهم إلى اجتنابه ؛ ألا وهو التعاون على الإثم والعدوان {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}؛ والإثم -عباد الله- المعاصي بأنواعها . والعدوان -عباد الله- ظلم الخلق بأنواعه ؛ فهذا عباد الله أمر نهى الله جل وعلا عباده من أن يتعاونوا عليه أو يعين أحد منهم آخر على فعله ، فإن هذا مما يُسخط الله جل في علاه ويوجب عقابه .
وكما أن الدال على الخير والمعين عليه كفاعله ، فإن الدال على الشر والمعين عليه كفاعله ، لأن هذا الفاعل للشر إنما فعله بإعانة من أعانه أو دلالة من دلَّه {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل:25] ، وفي الحديث قال النبي عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا)) .
ولهذا -عباد الله- علينا أن نعي جيدا أن باب التعاون بابٌ خطير ؛ فإن كان في خير وطاعة وعبادة وإحسان وبر وصلة فأنعِم به وأكرِم ، وإن كان في ضد ذلك فالويل ثم الويل لمن كان من أهل الإعانة على هذه الأمور .
عباد الله: ولابد من التنبيه في هذا المقام أن الناس في هذا الزمان الذي تيسرت فيه أجهزة للتواصل ؛ أحسن من أحسن في استخدامها ، وأساء أيضا من أساء في استخدامها ، فلو نظرت نظرة في تعاملات الناس مع هذه الأجهزة في باب التعاون لوجدت تباينًا عظيما واختلافًا شاسعا، فمن الناس من يستعمل هذه الأجهزة في الخير والبر والإحسان والتعاون على طاعة الرحمن ، ومنهم عياذًا بالله من ذلك من يستعملها في إثم وخطيئة أو إعانة على ذلك .
نسأل الله عز وجل أن يعيذنا أجمعين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، وأن يجعلنا أجمعين من المتعاونين على البر والتقوى ، وأن يعيذنا أجمعين من التعاون على الإثم والعدوان .
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
.
.
.
الخطبة الثانية :
الحمد لله كثيرا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد أيها المؤمنون : اتقوا الله تعالى .
عباد الله: وفي باب التعاون على الخير -وهو طاعةٌ من أعظم الطاعات وقربةٌ من جلائل القرب- ينبغي أن يكون نصب المتعاونين على الخير قاعدة الشريعة في قبول العمل -التعاون وغيره- أن العمل لا يُقبل إلا إذا كان خالصًا لله صوابا على السنة ؛ فعلى من علت همته في هذا الباب -باب التعاون على الخير- أن يخلص دينه لله، وأن يجعل عمله في هذا التعاون خالصًا لله لا يريد به شهرة ولا سمعة ولا مطمعًا دنيويا، وإنما يبتغي بذلك وجه الله وأجره وثوابه ، وأن يُعنى في الوقت نفسه بأن يكون في هذا الباب على السنة والصواب مهتديًا مقتديا متأسيا بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام وبصحابته الكرام، فإن من كان على الأثر كان على الطريق .
وصلُّوا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب:٥٦] ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا)) .
اللهم صلِّ على محمدٍ ...
الدعاء ...