التذكير بفضل رمضان وبعضِ آدابه

الشيخ علي بن يحي الحدادي

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

أما بعد:

فإن شهر رمضان المبارك من أعظم الشهور عند الله تعالى فقد خصه سبحانه بفرض صومه فقال (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )

وجعل الله صومه أحد أركان الإسلام لقوله ﷺ ” بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ” متفق عليه،

وأمدّهم فيه بما يعينهم على الاستكثار من الطاعات واجتناب المعاصي والسيئات، فقال ﷺ «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» متفق عليه.

ورغّب عباده فيه بالإكثار من طاعته وفتح لهم فيه من أسباب المغفرة ما لا يوجد مثله في غيره من الشهور فقال ﷺ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وقال ﷺ «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وقال ﷺ «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفق عليه.

فالمحروم من أدركه رمضان فلم يُغفر له ، قال مالك بن الحويرث t صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ، فَلَمَّا رَقِيَ عَتَبَةً، قَالَ: «آمِينَ» ثُمَّ رَقِيَ عَتَبَةً أُخْرَى، فقَالَ: «آمِينَ» ثُمَّ رَقِيَ عَتَبَةً ثَالِثَةً، فقَالَ: «آمِينَ» ثُمَّ، قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْتُ: آمِينَ، فقَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ» رواه ابن حبان وصححه الالباني.

عباد الله: ومن الأعمال الجليلة في هذا الشهر بذلُ الصدقات، وتفريجُ الكربات، والتنفيسُ عن المعسرين، بإسقاط الحقوق التي عليهم أو بعضها، فقد كان نبيكم ﷺ أجودَ الناس بالخير دائماً ولكنه كان يتضاعف جوده وكرمه في رمضان عليه الصلاة والسلام قال ابن عباس رضي الله عنهما : “كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أَجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ حِينَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ يَلْقاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ فيُدارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الـمُرْسَلَةِ” متفق عليه.

إخوة الإيمان:

تفقدوا المتعففين من الفقراء الذين قال الله فيهم (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) وابدؤوا بالأقارب والجيران؛ فإن القريب والجار لهما من الحق أعظمُ من حقِّ غيرِهما، قال تعالى (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ) [النساء: 36] وقال ﷺ : «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رواه النسائي وصححه الألباني.

ولا تبذلوا أموالكم للمتسولين في المساجد والطرقات فكثير منهم يمتهنون السؤال تَكثُّراً، ليأكلوا أموال الناس بالباطل، مستغلين رغبةَ الناسِ في الخير، مُسْتَدِرِّين عواطفَهم بالنساءِ والأطفالِ، والمتظاهرينَ بالأمراضِ والإعاقة، وفي تركِ إعطاء المتسولين حفظٌ للمال، وحفظٌ للأمن، وطاعةٌ لأولي الأمر.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
.

.

.
الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن تفطير الصائمين في رمضان عمل صالح مشروع لقوله ﷺ “مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا” رواه الترمذي وصححه، ولكن ينبغي المحافظة على الاعتدال والاقتصاد في موائد الإفطار واجتناب الإسراف والمباهاة فيها قال تعالى (يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) وقال ﷺ :” كُلُوا، وَاشْرَبُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَالْبَسُوا، فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلَا سَرَفٍ” رواه أحمد وحسّنه الألباني.

عباد الله: إن من مقاصد الصيام تحقيقَ تقوى الله تعالى، وإن من التقوى أن يؤدي كلٌّ منا الواجبات التي عليه على أكمل الوجوه قدرَ الإمكان، وعليه فلا ينبغي أن يكون الصومُ عذراً للتفريطِ في أداء الواجبات الوظيفية أو الدراسية وغيرها، بالتغيب أو التأخر أو التقصير من غير عذر شرعي قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) [النساء: 58] وقال ﷺ (إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عَمِلَ أَحَدُكم عَمَلاً أن يُتقِنَه) رواه أبو يَعلى وصححه الألباني.

اللهم كما بلغتنا رمضان فارزقنا صيامه وقيامه إيماناً واحتساباً واجعلنا فيه من المقبولين برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدعاء ...