إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى معشر الصائمين فإن الصيام إنما شرع لتحقيق التقوى كما قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فامتثلوا أوامر ربكم واجتنبوا نواهيه، واحذروا الهوى ودواعيه، فلا راحة للنفس إلا في طاعة ربها واتباع مَراضِيه.
عباد الله: إن الصيام والدعاء عبادتان جليلتان ومقامان عظيمان من مقامات العبودية لله رب العالمين، وبينهما ارتباط وثيق فقد جاء قوله تعالى { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} في ضمن آيات الصيام.
ودلّت السُّنة على أن الصيام من أسباب إجابة الدعاء قال ﷺ ” ثلاث دعوت لا ترد: دعوة الوالد ودعوة الصائم ودعوة المسافر “. رواه البيهقي. وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : “ثلاثة لا يرد دعاؤهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم” رواه أحمد.
وكان من هديه ﷺ إذا أفطر عند ناس قال: ”أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامَكم الأبرار وتنزلت عليكم الملائكة” رواه أحمد. وكان ﷺ يقول عند فطره (ذهب الظمأ وابتلّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) رواه أبو داود.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن للصائم عند فطرهِ لدعوةً ما تُرَد) وكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر يقول: (اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي). رواه ابن ماجه.
فهذه الأحاديث والآثار تفيدُ أن الصيامَ من أسبابِ إجابةِ الدعاء، فعلى الصائم أن يكثر من الدعاء في صيامِه، وعندَ فطره _ أي قبله بقليل أو بعده بقليل_.
عباد الله: إن “الدعاء هو العبادة” كما قال ﷺ، وإذا كان عبادة فلنحرص على لزوم الآداب الشرعية والأحكام المرعية التي جاءت بها الأدلة في باب الدعاء ومنها:
افتتاحُ الدعاءِ بالثناءِ على الله عز وجل، والصلاةِ والسلامِ على رسوله ﷺ.
ومنها الحرصُ على أدعيةِ الكتابِ والسُّنةِ، وجوامعِ الدعاء.
ومنها التوسلُ إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
ومنها رفعُ اليدينِ في الدعاء تذللاً وتضرعاً لله تعالى، وشهادةً عمليةً بأنه يعتقدُ أنّ ربه في السماء فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء سبحانه وتعالى.
لكن ينبغي أن يُعلم أنه لا يُشرع رفع الأيدي في الدعاء بعد الصلاةِ المفروضةِ لعدمِ ورود ذلك عن النبي ﷺ كما أفتت اللجنةُ الدائمة للإفتاء.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا خير المسألة وأحسنها إنه سميع الدعاء. أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
.
.
.
الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله فالفوز الفلاح في تقوى الله قال تعالى {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}
عباد الله: إن القنوتَ في الوتر سُنّة فقد علّم النبيُّ ﷺ الحسنَ بنَ عليٍّ رضي الله عنهما ما يقولُ في قنوته، وهو تعليمٌ للأُمّةِ كلها.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت في وتره وثبت عن عدد من الصحابة. كما رُوي عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا لا يداومون عليه في كل وتر.
إخوة الإسلام:
لقد نبّهَ أهلُ العلم على بعض الأخطاء والمخالفات التي تقع من بعض المصلين في قنوت الوتر
نصحاً منهم للأمة حتى لا تقع في المحذور
فمن الأخطاء في دعاء القنوت التغنّي به، وتلاوته كتلاوة القرآن في المدود والغُنّة ونحو ذلك، والتغني إنما جاء في شأنِ القرآن وليس في شأن الدعاء.
ومنها المبالغةُ في إطالة دعاء الوتر مع أن النبي ﷺ عَلّمَ الحسنَ رضي الله عنه دعواتٍ مختصرة جامعة لخير الدنيا والآخرة فعلّمه أن يقول «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت» وفي رواية “وصلى اللهُ على النبي محمد”.
ومنها أن يتكلف الداعي السجع في دعائه حتى تتوافق أواخرُ الجمل، فالتكلف في السجع مذموم منهي عنه بخلاف ما يأتي سجيةً بدون تكلف.
ومنها الاعتداء في الدعاء قال الله عز وجل {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ومن الاعتداء في الدعاء أن يدعوَ بإثم أو قطيعة رحم، أو يدعوَ على نفسه أو أهله أو ولده.
ومن الاعتداءِ في الدعاء الاشتراطُ على الله أن تكون المغفرةُ أو الهدايةُ في هذه الليلة أو في هذا المقام، مثلُ قولِهم (اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته)
ومن الاعتداء في الدعاء تفصيلُ الداعي في صفةِ الجنةِ أو النّار أو الموتِ أو القبرِ أوغيرها فالمقام مقامُ دعاءٍ وليس مقامَ وعظ.
نسألُ الله تعالى التوفيق لحسن الدعاء، والعافيةَ فيهِ من الاعتداء، إن ربَّنا سميعُ الدعاء. اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين وانصر عبادك الموحدين، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالنصر والظفر جنودَنا، اللهم تقبل صيامَنا وقيامَنا ولا تحرمنا فضلَك بذنوبنا وتقصيرنا. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، اللهم صل وسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.