الخطبة الأولى:
الحمد لله ؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ؛ من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، وصفيُّه وخليله ، وأمينه على وحيه ، ومبلِّغ الناس شرعه ؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
أمَّا بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله تبارك وتعالى، وراقبوه في جميع حركاتكم وسكناتكم مراقبة من يعلم أن ربَّه يسمعُه ويراه ، وفي تقوى الله جل وعلا خلَفٌ من كل شيء ، وليس من تقوى الله خلَف .
أيها المؤمنون : يقول النبي ﷺ : ((اتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ)) ، إنها فتنة من أشد الفتن وأعظمها وأخطرها ؛ فيحتاج المرء -ولاسيما الشاب- أن يتفقه في هذا الباب فيما يعينه على الخلاص من هذه الفتنة والنجاة من الوقوع فيها ، لاسيما إذا كثرت المغريات وتنوعت الدواعي .
أيها المؤمنون : ولا أنفع في هذا المقام من أن نتدبر القرآن ؛ فإنه شفاءٌ من كل داء ، وبخاصةٍ تلك القصة العجيبة؛ قصة يوسف عليه السلام فإن فيها أعظم عبرة ، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف:111] ، فيوسف عليه السلام تعرض لهذه الفتنة تعرضًا هو من أشد ما يكون .
فقد أخبر الله عز وجل أن امرأة العزيز قد راودته عن نفسها ، أوتيت منصبًا وجمالا ، وهو شاب في أوج شبابه وقوة نشاطه ، وفي بلد غربة ، وهي التي دعته إلى نفسها ، وتهيأت له وعملت على إغرائه ، وغلَّقت الأبواب ، واجتهدت في أن توقعه في شراك هذه الفتنة بكل ما أوتيت من سبيل أو طريق ؛ فنجَّاه الله .
فيحتاج المرء وبخاصةٍ الشاب أن يتأمل في الأسباب التي كانت نجاةً ليوسف عليه السلام ، متدبرًا كلام الله عز وجل مستلهمًا من هذا ما يُعينه على الخلاص من هذه الفتنة العظيمة الخطيرة .
أيها المؤمنون : وبالتأمل في هذا السياق الكريم ؛ نجد أن الأسباب المعينة على النجاة من هذه الفتنة مستخلصةً من قصة يوسف عليه السلام سبعة أسباب ، ولنتأملها جيدا :
(1) الأول : الاستعاذة بالله ، فإن من استعاذ بالله أعاذه ، ومن توكل على الله كفاه، {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران:101] ؛ ولهذا بادر عليه السلام إلى التعوذ بالله جل وعلا ، فقال حين راودته: {مَعَاذَ اللَّهِ}[يوسف:23] أي: أستعيذ بالله . والاستعاذة -أيها المؤمنون- حصنٌ حصين وحرزٌ متين يقي المسلم بإذن الله من الفتن كلها والشرور بجميع صورها.
(2) الأمر الثاني: أن يستحضر المرء في هذا المقام أن هذه الفَعلة ظلمٌ وأيُّ ظلم ، وهو أمرٌ لا يرضاه المرء لنفسه في أهله ، ولهذا قال عليه السلام مستحضرًا ذلك: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف:23] ؛ فهذا ظلمٌ لا يفلح من قارفه بل إنه يكون من الخاسرين ، وفي المسند للإمام أحمد في قصة الشاب الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا»، فنهره الصحابة ، فأدناه النبي عليه الصلاة والسلام وقال له : ((أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟)) ، ((أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟)) ، ((أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟)) ، ((أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟)) ، ((أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟)) وفي كل ذلك يقول الشاب: «لَا وَاللهِ ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ» ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (( وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم ولا لبناتهم ولا لأخواتهم ولا لعماتهم ولا لخالاتهم)) لأنه ظلمٌ شنيع .
(3) الأمر الثالث: تجديد الإيمان وتقويته ؛ فإن الإيمان عصمةٌ لصاحبه ونجاة في الفتن ، وتأمل قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف:24] ؛ والمراد ببرهان ربه على الصحيح في معناها : أي ما معه من العلم والإيمان . وأعظم الإيمان ردعًا وزجرا: الإيمان بالله وعظمته جل في علاه ، وأنه عز وجل مطلع على العباد يعلم سرهم ونجواهم لا تخفى عليه من العباد خافية ، فهذا برهانٌ عظيم إذا حضر في قلب المؤمن عند الفتنة استحيا من ربه ومولاه أن يراه حيث نهاه .
(4) الرابع عباد الله : تحقيق الإخلاص ؛ فإن الإخلاص خلاصٌ من الفتن ، ونجاة من المحن ، وسلامة من البلايا والشرور ، وتأمل في قصة يوسف يقول الله عز وجل: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف:24] وفي قراءة «المخلِصين» ؛ أي المخلِصين لله . فمن أخلص قلبه لله لم تجد هذه الشهوات المحرمة والملذات المنهي عنها سبيلًا إلى قلبه.
(5) الخامس عباد الله : الفرار بالنفس من الفتن ولاسيما عند انعقاد أسبابها ووجود موجبات وقوعها ، فها هو يوسف عليه السلام لما وجدت هذه الفتنة العصيبة فرَّ متجهًا إلى الباب {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} [يوسف:25] فرارًا من الفتنة ناجيًا بنفسه ، وهكذا ينبغي أن يكون عبد الله المؤمن ؛ لا يخطو خطوات تفضي به إلى الفتنة ، وإذا وقع في شيء من ذلك فعليه أن ينجو بنفسه فرارًا من الفتن ، لا أن يستشرف لها أو يعرِّض نفسه للوقوع فيها ، بل عليه أن يفر من الفتن طلبًا لنجاة نفسه وسلامتها وعافيتها.
(6) الأمر السادس عباد الله : الاستعصام ؛ وهذا شأنه عظيم ، قال الله عز وجل ذاكرًا عن امرأة العزيز في هذا السياق {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} [يوسف:32] ، والاستعصام -عباد الله- هو القوة مع النفس في منعها وكفِّها وزجرها والأخذ بأسباب نجاتها وسلامتها ، وهكذا كان عليه السلام . والناس في هذا المقام عند ورود الفتن بين مستعصِمٍ ومستسلم ؛ ومن استعصم نجا ، ومن استسلم للفتنة هلك .
(7) الأمر السابع عباد الله : الإلحاح على الله بالدعاء وصدق الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى ؛ فإن من دعا الله صادقًا أجاب الله دعاءه وحقق رجاءه وأعطاه سؤله ، ويوسف عليه السلام لجأ إلى ربه معتصمًا بالله طالبًا نجاته وسلامته ممن بيده الأمر كله سبحانه وتعالى ، {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف:33] ؛ دعا بهذه الدعوات الصادقات ملتجئًا إلى رب الأرض والسماوات ؛ فأجاب الله دعوته وحقق طِلبته {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[يوسف:34] .
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا أجمعين بصيرةً في دينه ، وحُسن تدبرٍ لكتابه وجمال ائتساء بأنبيائه وأصفيائه ، وأن يلحقنا بالصالحين من عباده .
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
.
.
.
الخطبة الثانية :
الحمد لله كثيرا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد أيها المؤمنون : اتقوا الله ؛ فإن من اتقى الله وقاه ، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه. واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله ، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وعليكم بالجماعة ؛ فإن يد الله على الجماعة .
أيها المؤمنون : وفي نجاة يوسف عليه السلام من هذه الفتنة وغيرها مما عرض له مما حكاه الله وقصه في سورة يوسف عليه السلام عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين ، ولاسيما من وفقه الله تبارك وتعالى للتأمل في آياته والتدبر لهداياته لتكون شفاءً لقلبه ونجاةً له من الفتن والشرور بأنواعها .
وفي تمام قصة يوسف ذكر الله عز وجل خصلتين عظيمتين اتصف بهما عليه السلام فكانتا له نجاةً من كل فتنة وسلامةً له من كل بلية ، تأمل ذلك في خواتيم هذه القصة حيث قال عليه السلام: {أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} ما سبب هذه المنة؟ وما سبب هذه النجاة ؟ قال: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:90]؛ فجمع الله له بين التقوى والصبر ، وهما عاصمتان من الفتن ومنجيتان من كل هلاك.
رزقنا الله أجمعين حُسن التقوى ، وجعلنا من عباده المحسنين ، وأعاذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن .
وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد...
الدعاء ...