حقيقة الإيمان

الشيخ عبدالرزاق البدر

الخطبة الأولى:

إنّ الحمد لله ؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، وصفيُّه وخليله، وأمينه على وحيه، ومُبلِّغ الناس شرعَه،ما ترك خيرًا إلا دلَّ الأمة عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرها منه؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .أمّا بعد:

أيها المؤمنون عباد الله: اتّقوا الله تعالى ؛ فإنّ في تقواه خَلَفًا من كل شيء، وليس من تقوى الله خَلَف، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].

أيها المؤمنون:
إنَّ أجلَّ المطالب وأعظمها وأرفع المقاصد وأنبلها؛ الإيمان بالله وبكل ما أمر عباده تبارك وتعالى به، وقد ضرب الله عز وجل في القرآن للإيمان مثلًا عظيما يجلِّي حقيقته ويبين معناه، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَـيِّـبَـةً كَشَجَرةٍ طَـيِّـبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّـهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم:24-25].

الإيمان -معاشر المؤمنين- له أصلٌ ثابت وفرعٌ قائم وثمارٌ متنوعات؛ أما أصل الإيمان الذي عليه قيامه ولا قيام للإيمان إلا به؛ فهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، قال الله تعالى : {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَالْـيَـوْمِ الآخِـرِ وَالْمَـلَآئِـكَـةِ وَالْـكِـتَـابِ وَالـنَّبِـيِّـينَ} [البقرة:177]، وقال الله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَـبْـلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:136]،

وقال جل وعلا : {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللهِ وَمَلَآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285].

أيها المؤمنون : والأعمال الصالحات والطاعات الزاكيات وأنواع القربات التي يُتقرب بها إلى الله كلها من الإيمان وداخلةٌ في مسمَّاه، قال الله جلَّ وعلا عن الصلاة : {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143] أي: صلاتكم ، فسمى جل وعلا الصلاة إيمانا.

وفي الحديث -حديث وفد عبد القيس وهو مخرج في الصحيحين- قال النبي عليه الصلاة والسلام : ((آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ، أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ ؟)) قَالُوا :«اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ» ، قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمُسَمِنَ الْمَغْنَمِ))؛ فعدَّ عليه الصلاة والسلام هذه الأعمال الصالحات من الإيمان .

أيها المؤمنون: ويدخل في الإيمان؛ البُعد عن الحرام وترك الآثام طاعةً للرب العظيم سبحانه وتعالى، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال : ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) ، وقد أفاد هذا الحديث العظيم أن البُعد عن الحرام وترك الآثام كل ذلك داخلٌ في مسمى الإيمان .

أيها المؤمنون: والأخلاق الفاضلة والآداب الكاملة والمعاملات الرفيعة كلها داخلةٌ في مسمى الإيمان، قال ﷺ:((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا)) .

أيها المؤمنون: الإيمان شعبٌ كثيرة وخصالٌ عديدة، قال نبينا ﷺ: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلاهَا شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)) .

أيها المؤمنون: الإيمان عقيدةٌ وشريعة، علمٌ وعمل، طاعةٌ وثبات، وفي حديث سفيان بن عبد الله الثقفي لما قال للنبي ﷺ: «أخبرني في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا غيرك؟» قال: ((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثم اسْتَقِمْ)) .

نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يزيِّن قلوبنا أجمعين بالإيمان، وأن يصلح لنا شأننا كله، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين .

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه يغفر لكم إنّه هو الغفور الرّحيم.
.
.
.
الخطبة الثانية :

الحمد لله كثيرا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وَّسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله؛ فإن من اتَّقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.

أيها المؤمنون: إنَّ الإيمان قد تعتريه في هذه الحياة أمورٌ تُضعِفه وتُذهِب جِدَّته وتوقِعه في نقصٍ وربما خلل، ولهذا فإن العبد المؤمن الناصح لنفسه ينبغي عليه أن يكون في مجاهدةٍ تامة لتقوية إيمانه وتمتين دينه وتقوية صلته بربه تبارك وتعالى، ثبت في الحديث الصحيح أن نبينا ﷺ قال : ((إِنَّ الإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ)) .

جدَّد الله الإيمان في قلوبنا أجمعين، وأصلح لنا شأننا كله إنه سميعٌ مجيب .

هذا وصلُّوا وسلِّموا على محمد بن عبد الله ...

الدعاء ...