الخطبة الأولى:
إنَّ الحمد لله ؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ؛ بلَّغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، فما ترك خيرًا إلا دلَّ الأمة عليه ، ولا شرًا إلا حذَّرها منه ؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله ربكم ، وراقبوه في جميع أعمالكم ؛ مراقبة من يعلمُ أن ربَّه يسمعُه ويراه .
أيها المؤمنون : إنكم موقوفون بين يدي الله جل في علاه يوم القيامة ، ومسؤولون في ذلك اليوم العظيم ؛ فيوم القيامة يوم السؤال ، ومن علِم أنه موقوف وأنه مسؤول فليُعِد للمسألة جوابا ، قال الله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر:92-93]، وقال الله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات:24]، وقال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36]، وقال الله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8]، والآيات في هذا المعنى كثيرة .
ولا تزول قدما عبدٍ بين يدي الله يوم القيامة حتى يُسأل عن مسألتين ماذا كنتم تعبدون ؟ وماذا أجبتم المرسلين ؟ فجواب الأولى بتحقيق " لا إله إلا الله " معرفة وإقرارا وعملا . وجواب الثانية بتحقيق " أن محمدا رسول الله " معرفة وإقرارا وانقيادا وطاعة .
قال أبو العالية رحمه الله: [ كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين ]
أيها المؤمنون: وأول ما يكون عنه السؤال يوم القيامة من الأعمال ؛ الصلاة المكتوبة التي هي عماد الدين ، ففي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال : ((أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ ؛ فِإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ)).
أيها المؤمنون : وعن سمع المرء وبصره وفؤاده يُسأل يوم القيامة كما تقدم في قول الله: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36] أي هل استعمل هذه الحواس والقوى في طاعة الله أم في عصيانه ؟.
أيها المؤمنون : العمر والعلم والمال والجسم ؛ أمورٌ أربعة سيُسأل عنها العبد يوم القيامة ، يُسأل عن كل واحد منها سؤال واحد وعن المال سؤالان ، روى الترمذي عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال : ((لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ)) .
أيها المؤمنون :
ويوم القيامة يسأل الله جل وعلا كل راعٍ عما استرعاه -قلَّت الرعية أو كثُرت- أكان ناصًحا لهم أم غاشا؟ أكان حافظًا لهم أم مضيِّعا ؟ فقد روى النسائي في سننه وابن حبان في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال : ((إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ ، حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ)) .
وفي هذا المعنى ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال : ((أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ ؛ أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)).
أيها المؤمنون :
يوم القيامة يسأل الله عز وجل الناس عن النعيم الذي متَّعهم به في هذه الحياة ؛ من صحة في الأجسام ، وطيب مطعمٍ وشرابٍ وغذاء ومسكنٍومركوبٍ، وغير ذلك من أنواع النعم ، كما تقدم في قول الله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8]. روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ -يَعْنِي العَبْدَ مِنَ النَّعِيمِ- أَنْ يُقَالَ لَهُ : أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ ، وَنُرْوِيَكَ مِنَ الْمَاءِ البَارِدِ)).
نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يعيننا أجمعين على الاستعداد ليوم السؤال ، وأن يعظم لنا أجمعين في ذلك اليوم العطايا والنوال، إنه تبارك وتعالى سميع الدعاء وهو أهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل .
.
.
.
الخطبة الثانية:
الحمد لله كثيراً ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد عباد الله: اتقوا الله تعالى ، فإنَّ من اتقى الله وقاه ، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه .
أيها المؤمنون : روى أبو نعيم في كتابه «حلية الأولياء» موعظة عظيمة نافعة في هذا الباب للإمام فضيل بن عياض رحمه الله وهو من أجلَّة علماء التابعين ؛ لقي رحمه الله رجلا فقال له:«كم أتت عليك؟» قال: ستون سنة، قال: «فأنت منذ ستين سنة وأنت تسير إلى ربك وقد أوشكت أن تبلغ»
فقال الرجل: يا أبا علي إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الفضيل: «تعلم ما تقول ؟»
قال: قلت إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال: «أوَتعلم ما تفسيره ؟»
قال : فسره لي يا أبا علي.
قال : «قولك إنا لله:أي أنا لله عبد ، وقولك إنا إليه راجعون: أي أنا إلى الله راجع ، فإذا علمتَ أنكلله عبد وأنك إليه راجع فاعلم أنك موقوف، ومن علم بأنه موقوف فليعلم بأنه مسئول، ومن علم أنه مسئول فليُعِد للسؤال جوابا».
فقال الرجل وقد أثرت فيه هذه الموعظة : فما الحيلة؟
قال : «يسيرة»
قال: وما هي ؟
قال: «أحسن فيما بقي يُغفر لك ما مضى وما بقي ، فإنك إن أسأت فيما بقي أُخذت فيما مضى وما بقي».
أيها المؤمنون:
ليحاسب العبد نفسه ، وليزن أعماله ، وليتق الله ربه وليُعِد نفسه ليوم السؤال ، قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه : «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزنوا ؛ فإنه أهون عليكم في الحساب غدا ، وتزينوا ليوم العرض على الله ، يوم تعرضون لا تخفى عليه منكم خافية» .
اللهم أصلح لنا أعمالنا وشأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين .
وصَلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: {إِنَّ اللَّه َوَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ علَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56] ، وقال صلى الله عليه وسلم:((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بهَا عَشْرًا)).
اللهم صلِّ على محمدٍ ...
الدعاء ...