الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ؛ من يهده اللهُ فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيُّه وخليله، وأمينه على وحيه، ومبلِّغ الناس شرعه ؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
أمَّا بعد أيها المؤمنون عباد الله: اتقوا الله ربكم، وراقبوه في جميع أعمالكم؛ مراقبة من يعلمُ أن ربَّه يسمعُه ويراه .
أيها المؤمنون: روى الترمذي في جامعه من حديث معاذ بن جل أن النبي ﷺ قال : ((اتَّقِ اللهِ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)) .
معاشر العباد: جمع هذا الحديث العظيم جماع الوصايا في ثلاث وصايا عظيمة أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا رضي الله عنه، وأتت هذه الوصايا الثلاث على أصول المعاملة وأسسها:
- معاملة العبد بينه وبين الله.
- ومعاملة العبد بينه وبين نفسه.
- ومعاملة العبد بينه وبين عباد الله .
أما المعاملة مع الله فإنها قائمة على التقوى؛ تقوى الله جل وعلا التي هي وصية الله للأولين والآخرين من خلقه كما قال جل وعلا: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131] ، وهي وصية النبي ﷺ لأمته، وهي وصية السلف الصالح فيما بينهم.
وتقوى الله جل وعلا: عملٌ بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله، وتركٌ لمعصية الله على نور من الله خيفة عذاب الله .
وأما معاملة المرء مع نفسه فهي قائمة على رؤية التقصير وأنه عرضة للخطأ وارتكاب السيئة واقتراف الذنب ، فيحتاج المقام مع النفس إلى مجاهدة مستمرة {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69] ؛ أن يجاهد العبدُ نفسَه على الاستكثار من الحسنات واغتنام مواسم الطاعات وأوقات العبادات ليجعل لنفسه منها حظًا ونصيبا ، ((وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا))، وهذا إنما يكون من العبد بالمجاهدة لنفسه على الاستكثار من الحسنات فـ{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] .
وأما المعاملة بين المرء وعباد الله فإنها قائمة على الخلق الحسن؛ ((وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)) ، والخلق الحسن يقوم على ركيزتين عظيمتين وأصلين متينين :
الأول: سلامة القلب تجاه عباد الله؛ بأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، قال ﷺ : ((لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) .
والركيزة الثانية: أن يأتي إلى الناس من الأعمال والأقوال ما يحب أن يؤتى إليه، فيعاملهم نظير ما يحب أن يعاملوه به، كما قال ﷺ: ((وَتَأْتِي إِلَى النَّاسِ مَا تُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْكَ)) .
والخُلُق -عباد الله- كما أنه يحتاج إلى جهادٍ للنفس لتتحلى بمكارم الأخلاق وفاضلها، فإنه يحتاج أيضا إلى لجوء كامل إلى الله جل في علاه، لأنَّ الأخلاق وَهَائِبَ وَمِنَن إلهية، كما قال بعض السلف: [إن هذه الأخلاق وهائب وإن الله إذا أحب عبده وهبه منها]، وفي الدعاء «اللهم اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ» .
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
.
.
.
الخطبة الثانية :
الحمد لله حمد الشاكرين ، وأثني عليه ثناء الذاكرين ، أحمده جل في علاه بمحامده التي هو لها أهل ، وأثني عليه الخير كله لا أحصي ثناءً عليه؛ هو كما أثنى على نفسه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله فإنَّ من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه .
واعلموا -معاشر العباد- أن هذه الحياة الدنيا دار ممر ومعبر وأعمال، والآخرة دار خلود وبقاء وجزاء على الأعمال، فالكيس من عباد الله من دان نفسه وعمل لما بعد الموت؛ فاستعد لدار الجزاء والحساب ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
واعلموا أنَّ أصدق الحديث كلامُ الله ، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ، وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار .
وصلُّوا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله ...
الدعاء ...